بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ وَسَلَمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصَحَابِهِ أَجْمَعِين.
ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:
فقد رأى بعض الإخوة أن نشرح -في هذين اليومين، أو لعلنا ننتهي منها اليوم: الصباح والليلة المغرب- قصيدة اللاميِّة لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى– حول بعض مسائل العقيدة، وهي قرابة ستة عشر بيتًا، لعلنا أن نجتهد في أن نخلص، أو ننهيها الليلة العشاء -إن شاء الله تعالى-.
ودراسة كتب السلف والمتون الشرعية لها فوائد عظيمة تربط طالب العلم بالسنة. بهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك فإن التركيز على مثل هذه المتون؛ نافعٌ جدًا للمسلمين عامة، ولطلبة العلم خاصة.
ونبدأ مباشرة –إن شاء الله– في هذه القصيدة اللامية، ونجتهد في شرحها باختصار -إن شاء الله تعالى-.
[الطالب]
بسم الله، والحمد لله ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعلى آله وأصحابه ومن والاه؛ فهذه قصيدة اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي زهرة من بستانه اليانع بالأزهار؛ ليشم عبقها وعبيرها أهل السنة والآثار، وهي شوكة وغُصَّة وسهم من كنانته في حلوق أهل الزيغ والضلال، يعلن فيها عن مذهبه واعتقاده ليُستنار، ويقصم بها كل مشبه ومعطل وجبار.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله– في قصيدته اللامية:
[المتن]
«يا سَائِلِي عَنْ مَذْهَبِي وعَقِيدَتِي ** رُزِقَ الهُدَى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ»
[الشرح]
بدأ الشيخ – رحمه الله تعالى - بهذا البيت:
«يا سَائِلِي عَنْ مَذْهَبِي وعَقِيدَتِي * رُزِقَ الهُدَى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسْأَلُ»
بدأ –رحمه الله تعالى– بمخاطبة إخوانه المسلمين الذين يسألونه عن مذهبه، وعقيدته؛ لأن البعض يشكك، ولا سيما أولئك الذين ابتلوا بالانحراف في العقيدة، بالوقوع في البدع والخرافات؛ بل وربما أحيانًا في الشركيَّات؛ فإنه أراد أن يُبيِّن لهم معتقده هذا؛ حتى يتضح أنه موافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
والعقيدة هو ما يعقد عليه القلب، قد تكون عقيدة فاسدة، وقد تكون صالحة؛ ولذلك فإنها تتضح من خلال توجه صاحبها، فمن اعتقد منهج أهل السنة والجماعة وسار على ذلك؛ فهي العقيدة الصحيحة السُّنية السلفية، ومن حاد عن ذلك؛ فهي عقيدة خرافية، بغض النظر عن قربها، أو بعدها من هَدْي الإسلام، بحسب حال صاحبها.
والمذهب هو المنهج الذي يسير عليه المرءُ: في الفقه، في السلوك، في التعامل، في العبادة، في الحدود، في الأحكام؛ فالمذهب هو الطريقة، ولا يلزم إذا قيل: مذهب فلان كذا من السلف، أو مذهب أهل السنة كذا؛ أن يكون مذهبًا يختص به دون غيره من أهل السنة، وإنما المراد أنه يتمذهب، ويسير على طريقة أهل السنة والجماعة: قولاً، وعملاً، واعتقادًا، فلا يحيد عن ذلك قِـيدَ أُنملة، يلزم السنة، يتمسك بها، يعض عليها بالنواجذ، بكل ما يستطيع.
وشيخ الإسلام: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن يتيمة، المتوفى سنة ثمان وعشرين وسبع مئة؛ معروفٌ بجهاده: بلسانه، وقلمه، ونفسه؛ فقد شارك في الجهاد ضد التتار والمغول، وشارك بجهاده في الذب عن العقيدة، وتقرير عقيدة السلف، ودحض شبه المشبهين؛ كما شارك بقلمه السيَّال في إثراء المكتبة الإسلامية بما صفا، وطاب من منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة، والفقه، والسلوك؛ ومن ذلك: هذه القصيدة.
ثم بعد أن نادى سائله ليُبين له عقيدته؛ بـيَّـن أن مَـن رُزِقَ الفقه في الدين؛ هو الذي يُهدى؛ يهديه الله إلى عقيدة السلف الصالح، ويسأل عنها؛ ليعض عليها بالنواجذ، وليسير عليها، وليلزمها؛ لأنه طريقُ: {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] ومن شذ عن هذا المنهج؛ فهو متبع لغير سبيل المؤمنين؛ قال الله –عزَّ وجل-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. ولذلك: «فإن كل خير في اتباع من سلف ** وكل شر في اتباع من خلف»
تابع قراءة التفريغ بتحميله من الرابط أعلاه